الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
388
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
العلم بالقراءة يحصل بوسائل أخرى مثل الإملاء والتلقين والإلهام وقد علم اللّه آدم الأسماء ولم يكن آدم قارئا . ومقتضى الظاهر : وعلّم بالقلم . فعدل عن الإضمار لتأكيد ما يشعر به رَبُّكَ من العناية المستفادة من قوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وأن هذه القراءة شأن من شؤون الرب اختص بها عبده إتماما لنعمة الربوبية عليه . وليجري على لفظ الرب وصف الأكرم . ووصف الْأَكْرَمُ مصوغ للدلالة على قوة الاتصاف بالكرم وليس مصوغا للمفاضلة فهو مسلوب المفاضلة . والكرم : التفضل بعطاء ما ينفع المعطى ، ونعم اللّه عظيمة لا تحصى ابتداء من نعمة الإيجاد ، وكيفية الخلق ، والإمداد . وقد جمعت هذه الآيات الخمس من أول السورة أصول الصفات الإلهية فوصف الرب يتضمن الوجود والوحدانية ، ووصف الَّذِي خَلَقَ ووصف الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ يقتضيان صفات الأفعال ، مع ما فيه من الاستدلال القريب على ثبوت ما أشير إليه من الصفات بما تقتضيه الموصولية من الإيماء إلى وجه بناء الخبر الذي يذكر معها . ووصف الْأَكْرَمُ يتضمن صفات الكمال والتنزيه عن النقائص . ومفعولا عَلَّمَ بِالْقَلَمِ محذوفان دل عليهما قوله : بِالْقَلَمِ وتقديره : علّم الكاتبين أو علّم ناسا الكتابة ، وكان العرب يعظمون علم الكتابة ويعدونها من خصائص أهل الكتاب كما قال أبو حية النّميري : كما خطّ الكتاب بكفّ يوما * يهوديّ يقارب أو يزيل ويتفاخر من يعرف الكتابة بعلمه وقال الشاعر : تعلّمت باجاد وآل * مرامر وسوّدت أثوابي ولست بكاتب وذكر أن ظهور الخط في العرب أول ما كان عند أهل الأنبار ، وأدخل الكتابة إلى الحجاز حرب بن أمية تعلمه من أسلم بن سدرة وتعلمه أسلم من مرامر بن مرة وكان الخط سابقا عند حمير باليمن ويسمى المسند . وتخصيص هذه الصلة بالذكر وجعلها معترضة بين المبتدأ والخبر للإيماء إلى إزالة ما